الشيخ محمد رشيد رضا
338
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اي جاءت الفلك أو الريح الطيبة اي لاقتها ريح شديدة قوية يقال عصفت الريح فهي عاصف وعاصفة اي تعصف الأشياء وتكسرها فتكون كعصف النبات وهو الحطام المتكسرة منه وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ اي واضطرب البحر وتموج سطحه كله فتلقاهم موجه من جميع الجوانب والنواحي بتأثير الريح ، فهي أنواع منها ما يهب من ناحية واحدة كالرياح الأربع ، ومنها النكباء وهي المنحرفة التي تقع بين ريحين مختلفتين ، ومنها المتناوحة التي تهب من جميع النواحي ، ومنها الاعصار وهي التي تدور فتكون عمودية فيرتفع بها ما تدور عليه من التراب والحصى من الأرض ، والماء من سطح البحر بما عليه وما فيه من سمك وغيره ثم يلقى في مكان آخر وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ اي اعتقدوا اعتقادا راجحا انهم هلكوا بإحاطة الموج من كل جانب ، كما يحيط العدو المحارب بعدوه إذ يطوقه بما يقطع عليه سبل النجاة . ذلك بأن فعل العاصف يهبط بهم في لجج البحر تارة كأنهم سقطوا في هاوية سحيقة ، ولا يلبث ان يثب بهم إلى أعلى غوارب الموج كأنهم في قنة جبل شاهق اصابه رجفة زلزلة شديدة دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ هذا جواب لما تضمنه قوله تعالى ( حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ ) الخ ، اي حتى إذا ما نزل بهم كل ذلك من نذر العذاب ، وتقطعت بهم دون النجاة جميع الأسباب ، دعوا اللّه في كشفه عنهم مخلصين له الدين ، لا يتوجهون معه إلى ولي ولا شفيع ، ولا ند ولا شريك ، ممن كانوا يتوسلون بهم اليه في حال الرخاء عازمين على طاعته قائلين لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ اي نقسم لك يا ربنا لئن أنجيتنا من هذه التهلكة أو العاصفة لنكونن لك من جماعة المؤمنين الشاكرين لنعمائك لا نكفر منها شيئا ، ولا نشرك بك أحدا ، ولا ندعو من دونك وليا ولا شفيعا ، ولا نتوجه في تفريج كروبنا وقضاء حاجنا إلى وثن ولا صنم ، ولا إلى ولي ولا نبي ولا ملك ، وفي هذه الآية وأمثالها بيان صريح لكون المشركين كانوا لا يدعون في أوقات الشدائد وتقطع الأسباب بهم الا اللّه ربهم ، ولكن من لا يحصى عددهم من مسلمي هذا الزمان بزعمهم لا يدعون عند أشد الضيق الا معبوديهم من الميتين كالبدوي والرفاعي والدسوقي